آراء حول الإنتخابات الأخيرة

  • Hassane Loukili
  • Lu pour vous

اننا نعلم أن ما كان بمكن  أن يميز الاستحقاقات الجماعية الأخيرة، هي الانتخابات الجهوية علاقة بما اصطلح عليه بالجهوية المتقدمة. إلا أن المشروع الذي قدمه الأستاذ عمر عزيمان للملك بشكل متأخر بعد أن أوعز هذا التأخير للأحزاب السياسية التي إما لم تولي هذا النقاش أي اهتمام أو أن مقترحاتها في هذا الشأن كانت دون مستوى ما كان مطلوبا علاقة بالخطاب الملكي في الموضوع وهو أيضا ما أعطانا المضمون والقانون الحالي للجهوية الذي ما كان ليتطلب منا تلك النقاشات العمومية والإمكانيات المادية التي رصدت له، بل كنا لنكتفي بمناظرة وطنية تحت إشراف وزارة الداخلية كما كان يفعل وزير الداخلية الأسبق المرحوم إدريس البصري من أجل القانون المعدل للجهات الذي لم يعدل أصلا منذ إعلانه سنة 1998.

إن العملية الانتخابية كسابقاتها مرت في أجواء سياسية يميزها فساد اللعبة الديمقراطية برمتها والتي هي من فساد الدولة والأحزاب السياسية المؤثثة للمشهد وللمؤسسات الدستورية، واتسمت كمثيلاتها السابقة بالاستعمال المكثف للمال الحرام من أجل شراء الذمم واعتماد الأعيان واقتصاد الريع والصدقات التي تستند إلى مبدأ الواجب وليس لمبدأ الحق هذا دون أن ننسى تدني مستوى الخطابات السياسية للأحزاب والاتهامات الخطيرة لبعضها البعض التي تستوجب في البلدان الديمقراطية التي تحترم مواطنيها ومواطناتها تحريك الدولة للمسطرة القضائية في شأنها. لكن يظهر يا صديقي أن الكل متواطئ مع الكل. كما لا يمكننا أن نغفل كذلك كزن هذه الاستحقاقات الجماعية والجهوية مرت في تجربة جديدة نسبيا بما عرفته من تعديلات طفيفة على مستوى القوانين المنظمة للجماعات الترابية بصفة عامة أو التقطيع الترابي لكن دون أن ترقى إلى تعديلات تمس جوهر العملية الديمقراطية بحيث تصبح فيه الجهة مجالا سياسيا وتنمويا وشريكا فعليا في إقرار السياسات العمومية الجهوية والوطنية.

إن الفساد المزمن للممارسة السياسية في المغرب خلق جوا عاما يتسم بانصراف وعزوف المواطنين والمواطنات عن العمل السياسي بشكل عام بعد أن فقدوا الأمل في العملية السياسية برمتها. وهو ما تجلى أساسا في النسبة الكبيرة التي إما لم تتسجل أصلا في اللوائح الانتخابية رغم التمديد المتكرر لعملية التسجيل والتسهيلات التي رافقتها، أو لم تشارك أو قاطعت عملية التصويت والتي بلغت على التوالي حسب الإحصائيات الرسمية 14 مليون مسجل من أصل 24 مواطن ومواطنة بلغوا السن القانونية للتسجيل ومن أصل 14 مليون ناخب لم يشارك سوى 50 بالمائة أي 7 ملايين مواطن ومواطنة وبذلك تصبح نسبة المشاركة في العملية الانتخابية الحالية أقل من 30 بالمائة من المغاربة هذا دون احتساب الأصوات الملغاة والتي لا تخلو هي الأخرى من موقف يجب أن يعتبر من طرف المحللين للعملية الانتخابية، ودون أي تشكيك في الأرقام الرسمية المصرح بها.

إن هذه النسبة الضعيفة للمشاركة يا صديقي رغم ما ورد في الخطاب الملكي الأخير من حث للمواطنين والمواطنات من أجل المشاركة المكثفة في هذه الاستحقاقات واختيار الأصلح من بين المرشح والمرشحات، يمكن أن تفسر إلى حد كبير النتائج المحصل عليها من طرف الأحزاب السياسية المؤثثة للمشهد السياسي في هذه الاستحقاقات، بحيث أن القاعدة الناخبة إما تتسم بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية من جهة أو بالهشاشة الثقافية والروحية من جهة أخرى، أقول جلها وليس كلها، أو هي فئات دخلت غمار الانتخابات حفاظا على امتيازاتها ومصالحها أو من أجل إنعاش اقتصادها الذاتي وتحسين مستواها الاقتصادي وليس من أجل تدبير قائم على الحكامة الجيدة للشأن العام المحلي والجهوي. إذن فالأصوات ذهبت في جزء كبير منها لحزب العدالة والتنمية، وهو الحزب الأكثر والأحسن تنظيما من بينها، خاصة في المدن الكبرى التي تعرف كل أنواع الهشاشة وحيث يتقن هذا الأخير العمل بآلياته الموازية المغلفة بالخطاب الديني وتواصله المستمر معهم في كل المناسبات الدينية والاجتماعية يقدم من خلالها الدعم المادي والمعنوي للعائلات المعوزة وهو الدعم القائم كما قلنا سابقا على مبدأ الواجب الديني وليس مبدأ الحق الموجب للمحاسبة مما يجعل من قاعدته الانتخابية قاعدة ثابتة لا تتأثر بتوزيع الأموال المناسباتية المرتبطة بالانتخابات إضافة إلى أصوات كل الحركات الأصولية التي لم تشارك رسميا في هذه الاستحقاقات. كما أن هشاشة الكتلة الناخبة ونجاعة منهجية الاشتغال لدى العدالة والتنمية هي من جعلها تسير في خط تصاعدي في النتائج المحصل عليها مقارنة بالانتخابات السابقة وأهلها لقيادة تدبير الشأن المحلي بشكل ملفت للكثير من الجماعات الترابية وينذر بإمكانية احتوائها لهذه الكتلة بشكل شبه كلي في أي استحقاقات مقبلة خاصة إذا ما اعتبرنا أن هذه النتائج المحصل عليها ستمكنها ليس بالضرورة من التدبير الديمقراطي التشاركي القائم على الشفافية والحكامة الجيدة لهذه الجماعات بقدر ما سيعطيها إمكانية احتكار القرار المحلي وكل الموارد المالية المخصصة لدعم جمعيات المجتمع المدني بحيث ستكون الاستفادة على خلفيات سياسية ودينية بحثه وليس على أساس الفعالية والنجاعة هذا مع الإقصاء المسبق لكل الجمعيات التي تروم إلى نشر قيم الحداثة والديمقراطية وهو ما تم العمل به فعلا في التجربة السابقة خاصة في الجماعات التي كانو يسيرونها هذا بالإضافة إلى وضعه في قيادة الحكومة الذي يعتبر وضعا جاذبا للكثير ممن يسعون إلى قضاء مصالحهم الشخصية ولنا كل العبرة في التجارب الحكومية السابقة. وهو ما يفسر أيضا حصول حزب الأصالة والمعاصرة على الرتبة الأولى في عدد المقاعد المحصلة عليها وطنيا إضافة إلى الأحزاب الأخرى التي خفت دورها السياسي ولو أنها حصلت على نسب مهمة من المقاعد. ففي الوقت الذي عملت العدالة والتنمية على الاعتماد على وضعها الاعتباري في الحكومة واعتماد الصدقات وأموال الزكاة والمال العام المخول للجمعيات من داخل الجماعات الترابية للتواصل مع قاعدتها الانتخابية على مدار السنة، اعتمدت الأحزاب الأخرى في غالبيتها وعلى رأسها الأصالة والمعاصرة على وضعها الاعتباري كحزب صديق الملك  وكذا اعتماد الأعيان والمال الفاسد والامتيازات في استمالة أصوات الناخبين ولو بشكل موسمي انتخابوي مما يجعل منها قاعدة متذبذبة وغير ثابتة تتوزعا مرحليا كل الأحزاب التي تعتمد نفس المنهجية في عملها السياسي في انتظار احتوائها بشكل شبه كلي من طرف العدالة والتنمية في أي استحقاقات قادمة.

إذن كما ترى يا صديقي فالعملية الانتخابية لا تعكس وعيا عاما بأهمية هذه الأخيرة بقدر ما تعكس ولاءات تحت ضغط الحاجة ولو اكتسبت ظاهريا غطاء دينيا عند العدالة والتنمية.

خلاصة القول أننا إذا اعتبرنا أن فساد الممارسة السياسية في المغرب التي هي من فساد الدولة والأحزاب، يفسر إلى حد كبير العزوف الواسع للمواطنين والمواطنات عن المشاركة في العملية السياسية برمتها بالشكل الذي يقوض أسس ما يمكن أن نصطلح عليه بالديمقراطية التمثيلية في بلادنا، إنه كذلك يبرر من وجهة نظرها ونظر الدولة استعمال جميع الوسائل الحاطة بالكرامة الانسانية من أجل استمالة أصوات الناخبين من جهة والرفع من مستوى المشاركة السياسية من جهة أخرى. كما أن نمط الإقتراع في المغرب الذي تفننت وزارة الداخلية في هندسته لا يسمح لأي حزب بأن أن ينال الأغلبية المطلقة وذلك بالرغم من نسبة المشاركة الضعيفة التي تتشكل مع الأسف الشديد في مجملها من فئات اجتماعية هشة إضافة إلى فئات واسعة محتلة لأرصفة المدن والأحياء أو ممتهنة لكل أشكال التسول والمهن الرخيصة الحاطة بالكرامة، وهو ما يفرض كذلك على هذه الأحزاب غالبا عقد تحالفات تعكس بدورها غياب المنطق السياسي لديها ولو في حدوده الدنيا وغياب الانضباط للقرارات المركزية في هذا الشأن بالنسبة لنخبها المحلية والتغاضي عنه من طرف قياداتها الوطنية مما يحول الكثير من هؤلاء المنتخبين إلى بضاعة خاضعة للعرض والطلب والتهريب أحيانا مع الأسف.

إذن فأهمية هذه الاستحقاقات لا تكمن فقط في النتائج المحصل عليها من طرف الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات وطبيعة التحالفات التي تقيمها، بل تتعداه إلى خونجة وتغيير البنى الفكرية والثقافية للمجتمع المغربي والتأثير على موروثه الثقافي والحضاري والديني وربط مصيره بالثقافة المشرقية بعد أن كان المغرب بلدا محصنا تاريخيا وجعله مناهضا لأي مشروع سياسي ديمقراطي – ولن أقول حتى يساري- مستقبلا بحيث يتحول فيه مبدأ الشعب مصدر السيادة والسلطة كإحدى المبادئ الأساسية المكونة للمسألة الديمقراطية إلى سيف مسلط على كل ما هو تنويري وحداثي في المجتمع.

إننا فعلا أمام بداية انحصار لنموذج العمل السياسي التقليدي الذي رعته وتحكمت فيه الدولة العميقة لعقود من الزمن بعد أن حاصرت وأضعفت كل فعل ديمقراطي متميز وبداية مشروع سياسي منفلت وصعب الضبط من طرف الدولة العميقة يروم إلى دعششة الدولة والمجتمع والذي يمكن اعتباره نتيجة موضوعية للأزمة المزمنة لعملية الانتقال الديمقراطي بالمغرب وهو ما سيتطلب تحديا و مجهودا مضاعفا ووقتا طويلا من أجل مواجهته من طرف ما تبقى من القوى الديمقراطية والحداثية الحقيقة.  

 

* المنسق العام لمنتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Minimalist © 2014 -  Hébergé par Overblog