نبرات من حياة غير عادية
كان اليوم غير عادي... شيء ما سيقع... غير عادي ما
سيحدث. سبق لها أن رفضت ذلك لمرات عدة... رفضته بشدة وشراسة. لماذا اليوم وهي المقتنعة بقدرتها على تحمّل الصعاب؟ لعله الملل... لعلها اللعنة... لعلها... لعله...؟ لا هذا ولا ذاك. فهي من داعبت الإبرة ووخزتها. هي من داعبت المغزلة "الناعورة" وشقاءها. هي اليوم تقرر المرور إلى تجربة أخرى، لعلها تستطيع أن تخرج من الورطة. ورطتها هذه. رتبت أمورها كلها، وهي العالمة بخبايا الأمور، وتعرف أن ما هي مقدمة على فعله اليوم يتناقض مع تقاليد البلدة، أو على الأقل غير مقبول لدى أهلها، إن لم يكن كلهم فبعضهم. رتبت كل شيء بدقة كبيرة. استدعت أمها أو "يما" بشد الميم (1). فهي تعرف أن مباركة هذه الأخيرة للخطوة القادمة ستكون صمام الأمان. زد على ذلك كون الطفل الصغير لا ولن يقوى على تحمّل الحر، حر فصل الصيف. فلا مناص من تركه في المنزل وبمرافقة شخص ما، ولن يكون غير "يما".
كثير أولئك الذين سيدلون بدلوهم وينتهزون الفرصة، لكن إصرارها كان فوق كل ذلك. عدّت العدة. هي تعرف أن كل ما تحتاج إليه يداها المتعودتان على قساوة الحياة لكبح ما يقض مضجعها هو أنامل لم تعرف بعد طريقها إلى الحياة معنى, غير تلك المفعمة بدقة الإبرة وملمس القلم، تلك الأنامل التي طالما حاولت أن تبعدها عن سوق النخاسة، وما أكثر من رأوا فيهما يدي عاملة جاهزة
"اهتدت لطريقة ذكية، هي تعقد "بالعطش"
"a l'attache"
.سيمكنها ذلك من ضبط برنامجها بدقة
:تأثير المحيط القروي
هي قرية صغيرة توجد في قدم مقدمة سلسلة جبلية، تتقاطع فيها أبعاد عدة: الطابع المحافظ، الطابع الأمازيغي، الطابع الصوفي... هي مركز سكاني معروف بعراقته. عرف أهله بالعلوم الدينية وبتعلقهم بفكر الزوايا من درقاوية وتيجانية وعيساوية. كل ذلك نسوقه لما له من تأثير على عادات وتقاليد أهل القرية
عرفت نساء القرية بما يعرف بالحجبة، فالمرأة في البلدة لا تظهر زينتها إلا في التجمعات النسائية المقتصرة على النساء، في حين أن أي خروج أو تحرك خارج المنزل يجب أن ترتدي النسوة إما ما يعرف بالإيزار الملفوف بطريقة خاصة وجميلة، تتراوح بين الفضفاض المستور والمنظم المظهر لجمالية خاصة، ترتدي ذلك خلال الخرجات الرسمية المقتصرة على مجال القرية، وإما ترتدين الحنديرة، والتي يمكننا أن نعتبرها كهندام العمل أو الاستعجال، ترتدينها خلال الخرجات السريعة، ليتخذن الجلباب المعمول بطريقة استيتيقية ومتقونة واللثام المصنوع من ثوب شفاف يسمح بالتنفس بشكل مريح، "مسلين". هذا الثنائي يترك للخرجات الرسمية خارج القرية لما تجمعه من جمالية وحرية في التحرك.كما عرفت القرية باقتصار العمل في الحقول على الرجال، في خلاف مع القرى الموجودة شمال
"غرب البلدة والتي تنحدر منها "ش
كل ذلك يجعل من الخطوة، خطوة الأرملة الممانعة، خطوة غير محسوبة إذا لم تواكب بحذر كبير، قد يزج بمشروعها كله في الاعتماد على النفس والبرهنة على القدرة والاستحقاق في سياقة القافلة إلى شاطئ النجاة وسط مجتمع رجولي لا يعترف للمرأة بالأحقية في ذلك.
لم يكن ذلك الصباح عاديًا لدى "ش"، فالمهام قد وُزعت والقرارات الكبرى قد اتُخذت. كل شيء يسير وفق ما رسمته... ما أن أطلت أولى خيوط أشعة الشمس حتى هبّت وصغيراها، فالمسافة التي تفصلها عن الحقل تقدر بـ1500 م، لكن وعورة المسالك والطابع الجبلي للمنطقة على مشارف جبل تازة، طريق عين السي عمار، يجعل المهمة ليست بالسهلة، ومرافقتها للطفلين في نعومة الأظفار يزيد من صعوبة المهمة. فلعلها كانت ستكون أكثر سهولة لو تمكنت من الذهاب لوحدها، ذاك ما هو مستحيل في سياق ما ذكرناه سالفًا، فجواز السفر هما الطفلان
ساقت "ش" طفليها، توجهت صوب الحقل. كان حقل جلبان. كانت تعرف أن الصباح كافٍ للإتيان على آخر نبتة، وأن جو الصباح يساعد على السرعة ويسهّل عملية القطف. كانت كلها ثقة في المستقبل رغم قساوته، كما كانت تعرف أنها بصدد عزف سنفونية، هي سنفونيتها، سنفونية أية امرأة قسا عليها الزمن
قارورة ماء وسلة أكل وعزيمة لا تُكسر، وعناد لا يُخذل ولا يخذل. سلاحها هدفها، نبله، وإيمانها، صلابته
"إنها هي "ش
في الثلاثين من العمر، بدوية البنية، لم تخبر قساوة الطبيعة، لكن رباطة الجأش لا تؤمن بالسن ولا بالخبرة. وأي خبرة هي التي، وكأنما كانت تستعد للذي سيأتي ولن يأتي (2)
مر اليوم، الصباح، الكل مر على أحسن ما يرام، أو على الأقل كيفما رسمته أو خططت له. والعودة المظفرة إلى المنزل كانت "يما" قلقة، فكل الحسابات تقول إن العاقبة لن تكون سليمة، أو أن المضاعفات لابد أن تكون في طابعها السلبي موجعة. فـ"ش" كسرت صمتًا دام منذ أن مات المعيل، دام منذ أن قررت قرارها بالإصرار على تحمل المسؤولية. وأية مسؤولية؟ مسؤولية السير بعائلة من خمس أفراد نحو المجهول في مجتمع رجالي بامتياز.
Published by Hassane Loukili …